سيد قطب
2644
في ظلال القرآن
في معظم المواضع في القرآن ترد قصة صالح وثمود في سياق قصص عام مع نوح وهود ، ولوط وشعيب . وأحيانا تجيء قصة إبراهيم في هذا السياق أو لا تجيء . أما في هذه السورة والتركيز فيها على قصص بني إسرائيل ، فقد جاءت قصة موسى وقصة داود وسليمان . واختصرت قصة هود وقصة شعيب من السلسلة ولم تجئ قصة إبراهيم . وفي هذه السورة لا تذكر حلقة الناقة في قصة صالح - عليه السّلام - إنما يذكر تبييت الرهط التسعة المفسدين لصالح وأهله ، ومكرهم به وهو لا يشعر ، فمكر اللّه بالمفسدين وهم لا يشعرون ، ودمرهم وقومهم أجمعين . وأنجى الذين آمنوا وكانوا يتقون ، وترك بيوت المفسدين خاوية وجعلها لمن بعدهم آية . والمشركون في مكة يمرون بهذه البيوت المدمرة الخاوية ولكنهم لا يعتبرون . . « وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ، فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ » . . يلخص رسالة صالح - عليه السّلام - في حقيقة واحدة : « أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ » فهذه هي القاعدة التي ترتكز عليها رسالة السماء إلى الأرض في كل جيل ، ومع كل رسول . ومع أن كل ما حول البشر في هذا الكون ، وكل ما يكمن فيهم أنفسهم ، يهتف بهم إلى الإيمان بهذه الحقيقة الواحدة ، فقد أمضت البشرية أجيالا وأزمانا لا يعلمها إلا اللّه ، وهي تقف أمام هذه الحقيقة البسيطة وقفة الإنكار والجحود ، أو وقفة الهزء والتكذيب . وما تزال إلى اليوم تروغ عن هذه الحقيقة الخالدة ، وتجنح إلى شتى السبل ، التي تتفرق بها عن سبيل اللّه الواحد المستقيم . فأما قوم صالح - ثمود - فيحكي القرآن خلاصة موقفهم بعد دعوته إياهم ، وجهده معهم بأنهم أصبحوا فريقين يختصمون . فريقا يستجيب له ، وفريقا يخالف عنه . وكان الفريق المعارض هو الكثرة ، كما نعرف من المواضع الأخرى في القرآن عن هذه القصة . وهنا فجوة في السورة على طريقة القصص القرآني ندرك منها أن المكذبين المعرضين استعجلوا عذاب اللّه الذي أنذرهم به صالح ، بدلا من أن يطلبوا هدى اللّه ورحمته - شأنهم في هذا شأن مشركي قريش مع الرسول الكريم - فأنكر عليهم صالح أن يستعجلوا بالعذاب ولا يطلبوا الهداية ، وحاول أن يوجههم إلى الاستغفار لعل اللّه يدركهم برحمته : « قالَ : يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ؟ لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ » ! ولقد كان يبلغ من فساد القلوب أن يقول المكذبون : « اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ » . . بدلا من أن يقولوا : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إلى الإيمان به والتصديق ! وكذلك كان قوم صالح يقولون . ولا يستجيبون لتوجيه رسولهم إلى طريق الرحمة والتوبة والاستغفار . ويعتذرون عن ضيقهم به وبالذين آمنوا معه بأنهم يرونهم شؤما عليهم ، ويتوقعون الشر من ورائهم : « قالُوا : اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ » . والتطير . التشاؤم . مأخوذ من عادة الأقوام الجاهلة التي تجري وراء الخرافات والأوهام ، لأنها لا تخرج منها إلى نصاعة الإيمان . فقد كان الواحد منهم إذا همّ بأمر لجأ إلى طائر فزجره أي أشار إليه مطاردا . فإن مر سانحا عن يمينه إلى يساره استبشر ومضى في الأمر . وإن مر بارحا عن يساره إلى يمينه تشاءم وتوقع الضر !